التطرف الديني وغياب الفكر النقدي

عندما يغيب جوهر الدين ويستبعد بعده القيمي الإنساني الكوني و الشمولي، يحضر « المتأسلمين » عبر عقلية متعفنة بالتطرف والحقد والجهل وكراهية الآخر، ملوحين ببيانات على زجاج أبواب المخابز معلنين للناس بمناسبة اقتراب عيد ميلاد السيد المسيح (ع)، « لا توجد فطائر لعيد رأس السنة، ليس عيدنا، العيد عيدهم » وكأن الآلات التي ينتجون بفضلها بضاعتهم، ليست من صنع وفضل أهل العيد. عبارة ليست بريئة رغم سخافتها، لها حمولة ثقيلة لا تخلو من معنى ودلالة: إن هده العبارة لا تقل خطورة عن الذبح الوحشي الذي تعرضت له السائحتين الاسكندنافيتين، تلك الجريمة البشعة، التي لطخت قرية إمليل الجميلة بسكانها وطبيعتها الساحرة، الواقعة ضواحي مدينة مراكش والتي حركت الرأي العام الوطني و الدولي، ولأنها بكل بساطة نتاج لتلك العقلية التي عشش فيها الإرهاب والقتل منذ قرون بدواعي عقدية، والقتل بعقيدة وإيديولوجية هو من أخطر أنوع القتل حيث يقتنع القاتل أنه يفعل الصواب ويحق الحق بهدر دماء الأبرياء، إنها لعنة قرون من الجهل والتخلف، نؤدي ثمنها في القرن الواحد والعشرين، باسم الإرهاب والتطرف إنها عقلية منتجة للموت والقتل، كفعل مبارك يجد قبولا حسنا عند الله !

عقلية لا تحب الحياة والإنسانية، فالحياة مجرد ممر لعين وحياة دنيوية ودار البلاء، إنهم يتوقون الى الموت بحثا عن حياة عليا وأبدية، حيث لحم الطير ولحم النساء و أنهار الخمور جنبا إلى جنب، بل تعتبر نفسها تملك الحقيقة المطلقة التي لا حقيقة بعدها وكل ما عادها وهم وباطل وضلال، يجب إسكاته الى الأبد، ليس طبعا بلغة العقل والحوار والخطاب البرهاني القائم على الحجة والدليل القاطع، لأن هؤلاء أبعد الناس من لغة العقل والفكر، بل باللغة الوحيد التي يجيدها كل فكر متطرف في التعامل مع الآخر المختلف، إنها لغة السيف وبعدها الرصاص ثم العبوة الناسفة و باسم « الله اكبر » ينطلق الانفجار والقتل والدمار…

إنها العقلية التي اوجعتنا ولا زلت توجعنا باستمرار، إنه التراث الماضوي السحيق ذلك الجاثوم الذي أثقل على جسد هذه الأمة بالفتن والمحن و الاقتتال فتخلفت عن الركب الحضاري والثقافي، وغرقت في الدماء والبؤس وجعلت من أوطاننا مستنقع المحن ومرتع الوهن والخمول، إنها العقلية التي تعيش على أوهام الماضي السحيق على أنه المستقبل الواعد، الذي ينبغي أن يعود يوما، وهم ماضي المجد والبطولة، وتنظر إلى الحاضر على أنه الشر والبلاء والتيه والضياع.

هي إذن البنية الثقافية التي أنتجت التطرف و الإرهاب والذي جسدته « داعش » بشكل فعلي على أرض الواقع، فالداعشية بهذا المعنى هي نمط تفكير ونمط وجود، نتاج لكائنات تراثية، لم تستطع بعد أن تقطع الحبل السري بشكل عقلاني مع هذا الإرث، لكي تصبح كائنات لها تراث قابل للغربلة وليس كائنات تراثية ثابتة جامدة ولا تتحرك ولا تعرف للتطور سبيلا، بعد أن أضاعت البوصلة وفقدت السيطرة. في ظل غياب الفكر النقدي تحل محله عقول غبية وسخيفة تدعي امتلاك المعرفة والحقيقة، وتقتل من أجل فكرة وتتناحر من أجل الأوهام، عقلية الكهف التي لم ترى سوى الظلال وهي مكبلة بالأغلال. « الدواعش » إذن يعيشون بيننا، في البيت و الشارع و المقهى وفي كل مكان… فليس الداعشي فقط هو حامل السلاح وقاطع الرؤوس ومبايع البغدادي في العراق و الشام… بل ان « الداعشية » هي أولا وقبل كل شيء فكرة، تحكم تصرفاتنا وعاداتنا و سلوكاتنا، فحديثنا اليومي ومواقفنا و آراءنا، وإن تبدوا في الظاهر بريئة فهي في الباطن غير ذلك، اذ لا تخلو من قدر معين من الداعشية الباطنية المبيتة و اللاواعية في كثير من الأحيان، و القائمة على الحقد و الكراهية والعنف بشتى ألونه، و كذا الجحود و الجمود الفكري و التعصب للرأي وتكفير الأخر المخالف، وعدم القبول به سواء بشكل ضمني أو صريح، لأن الناس يميلون في كثير من الأحيان الى ممارسة الخضوع الظرفي لمواقف و أراء الاخرين وان كانوا لا يجهرون بمعارضتها في الواقع، فهم يخفون لسبب أو لأخر مواقفهم الحقيقية. و أخيرا إن الداعشية مغروسة في أعماقنا منذ نعومة أظافرنا و هي تسكننا على نحو غريب.

أمام هذا الوضع ، ينبغي ترويض العقول وتطهيرها من العنف الناتج عن النعرات الدينية واللغوية والعرقية و الثقافية وغيرها، وذلك لن يتأتى الا بكسر كل القيود أمام الفكر النقدي ليتغلغل في البنية العقلية للمجتمع، وتكريس ثقافة الايمان بالاختلاف وقبول الآخر المختلف ونشر قيم السلام والأمن والتعايش وكل القيم الكونية التي تمجد الإنسانية.

*أستاذ مادة الفلسفة وباحث في علم الإجتماع-مراكش.



La source directe

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *